الجاحظ

62

المحاسن والأضداد

فانتبه فزعا من كلامهما ، فنفخهما ، فألقاهما إلى أصبهان ، فقبرهما اليوم بها ، فقال الخليل : قبحك اللّه ما أكذبك ! قال : « يا ابن أخي ما بينا شيئا إلّا وهو دون الراقود » . قيل : وقدم بعض العمال من عمل ، فدعا قوما إلى طعامه ، وجعل يحدثهم بالكذب ، فقال بعضهم : نحن كما قال عز وجل : « سماعون للكذب أكالون للسحت » . قيل : وكان رجال من أهل المدينة من بين فقيه ورواية وشاعر ، يأتون بغداد ، فيرجعون بحظوة وحال حسنة ؛ فاجتمع عدة منهم ، فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده شيء من الأدب : « لو أتيت العراق فلعلك أن تصيب شيئا » . قال : « أنتم أصحاب آداب تلتمسون بها » . فقالوا : « نحن نحتال لك » ، فأخرجوه ، فلما قدم بغداد طلب الاتّصال بعلي بن يقطين ، وشكا إليه الحاجة ، فقال : « ما عندك من الأدب » ؟ فقال : « ليس عندي من الأدب شيء غير أني أكذب الكذبة وأخيل إلى من يسمعها إني صادق » . وكان ظريفا مليحا ، فأعجب به ، وعرض عليه مالا ، فأبى أن يقبله وقال : « ما أريد منك إلّا أن تسهل اذني ، وتدني مجلسي » . قال : « ذاك لك » . وكان من أقرب الناس إليه مجلسا حتى عرف بذلك . وكان المهدي قد غضب على رجل من القواد ، واستصفى ماله ، وكان يختلف إلى علي بن يقطين ، رجاء أن يكلم له المهدي ، وكان يرى قرب المديني ، ومكانه من عليه ، فأتى المديني القائد عشيا فقال : « ما البشرى » ؟ قال : « لك البشرى وحكمك » ، قال : « ارسلني علي بن يقطين إليك وهو يقرئك السلام ويقول : قد كلمت أمير المؤمنين في أمرك ، ورضي عنك ، وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو إليه لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكرا » . فدعا له الرجل بألف دينار وكسوة وحملان ، وغدا على علي مع جماعة من وجوه العسكر متشكرا ، فقال له علي : « وما ذاك » ؟ قال : « أخبرني أبو فلان - وهو إلى جنبه - كلامك أمير المؤمنين في أمري ورضاه عني » ، فالتفت إلى المديني وقال : « ما هذا » ؟ فقال : « أصلحك اللّه ، هذا بعض ذلك المناع نشرناه » ، فضحك علي